| | | ![]() |
| | #1 (المشاركة) |
| مشرف مقهى الإبداع تاريخ التسجيل: May 2007 المشاركات: 237 | " مَفْهُوم التَّعْريِب، تَعَدُّدُه وتَطَوُّره " 1- التَّعْريِب لُغَة التَّعْريِب والإِعْرابُ في المَعْنَى الُّلغَويّ مَتَساوِيان، وهُوَ الإِبانة، وهما مَأْخُوذَان من عَرَّب وأَعْرَب، بمَعْنَى أَبَان وأفْصَح( ) فإذا كان الإِعْرَاب يُفصِحُ عن المَعَانِي بالحَرَكَاتِ التي تُفَرِّقُ بين الوَظَائِف النَّحْويَّة، ويُلْحَظُ أنَّ الإِعْرَاب أصبح خَاصَّاً بـ: "الإِبَانَةِ عَن المَعَانِي بالأَلْفَاظ"( ). أو هو: "الفَارِقُ بين المَعَانِي"( ). وأَمَّا المَعَانِي فَقُصِد منها الوَظائِفُ النَّحْويَّة، وبِالأَلْفَاظ علامات الإِعْرَاب. وعلى هذا، فإنَّ ما حَدَث لمَعْنَى التَّعْريِب، ما هُوَ إلاَّ نَوْع من تَخْصِيص الدِّلالَة، فبَعْدَ أنْ كان مُشْتَرَكاً مع الإِعْرَاب في المَعْنَى، أصْبَح خاصَّاً بنَقْل الأَلْفَاظ غير العَرَبِيَّة إليها. ويَحْسُنُ بِنَا هُنَا أنْ نَعْرِضَ باخْتِصارٍ لمَفْهُوم التَّعْريِب الاصطِلاحِيِّ عند أَئِمَة اللغة المُتَقَدِّمين والمُحْدَثِين: 1-1 مَفْهُوم التَّعْريِب اصْطِلاحَاً عند القُدَمَاء قال الخليل بن أحمد(ت 175هـ) في مُقَدِّمَة " كتاب العَيْن " عند الحَدِيث عن وُجُود أَصْواتٍ في الجُذُور الرُّبَاعِيَّة والخُمَاسِيَّة وبِها يُسْتَدلُّ على عَرَبِيَّة الكَلِمَة وبِخُلُوِّها مِنْهَا على أََعْجَمِيَّتِها : " فإنْ وَرَدَت عليك كَلِمَة رُبَاعيَّة، أو خُمَاسيَّة مُعَرَّاة من حروف الذَّلََق أو الشَّفَويَّة، ولا يكون في تلك الكَلِمَة من هذه الحُرُوف حَرْف واحد أو اثْنَان، أو فَوْقَ ذلك فاعْلَمْ أنَّ تِلْك الكَلِمَة مُحْدَثة مُبْتَدَعَة، ليْسَت مِنْ كَلام العَرَب؛ لأنك لَسْتَ واجِداً من يَسْمَعُ من كلام العَرَب كلمةً واحدةً رباعيَّة، أو خماسيَّة إلاَّ وفيها من حروف الذَّلَق والشَّفَويَّة واحِدَةً أو أَكْثَر( ). وبِهَا اسْتَدَلَّ على أنَّ (دُعْشُوقَة) ليست من كلام العَرَب، وضَرَبَ مَثَلاً بقول الشَّاعر( ) ودُعْشُوقَةٌ فيها تَرَنَّحَ دَهْثَم تَعَشَّقْتُها ليلاً وتـَحْتِي جُلاهـِـقُ اقتصر الخليل على المُسْتَوى الصَّوْتي، فكانت نَظْرَتُه للفظ الدَّخِيل نَظْرَة صَوْتِيَّة مَحْضَة، وليس في كلام العَرَب "دُعْشُوقَة ولا جُلاِهق". وأمَّا سيبويه(ت 180هـ) فقد شَمَلت نَظْرَتُه النَّاحِيتيْن الصَّوْتِيَّة والصَّرْفِيَّة، فتَحَدَّث عن الإِلْحَاق والإِبْدَال تَحْت باب (ما أُعْرِبَ مِن الأَسْمَاء الأعْجَمِيَّة) ومِمَّا يُوَضّحُ مَذْهَبَه قَوْلَه: "اعلمْ أَنَّهُم(أَيْ العَرَب) مِمَّا يُغَيّرُون من الحُرُوف الأَعْجَمِيَّة مَا لَيْسَ من حُرُوفِهم البَتَّة, فَرُبَّما أَلْحَقُوه بِبِنَاء كَلامِهِم, ورُبَّمَا لمْ يُلْحِقُوه، فأَمّا مَا أَلْحَقُوه ببناء كَلامِهِم, فَدِرْهَم, أَلْحَقُوه ببناء هِجْرَع، وبَهْرَج أَلْحَقُوه بسَهْلَب، ودِينار أَلْحَقُوه بدِيمَاس.... فَأَبْدَلوا مكان الحَرْف الذي هو للعَرِبِ عَرَبِيَّاً غيَره, َورُبَّمَا تَرَكُوا الاسم على حَاله إذا كانت حُرُوفُه من حُرُوفهم، وكان على بِنَائِهم أو لَمْ يَكُنْ, نحو: خُرَاسَان(ليس على بِنَاء العَرَبِيَّة) وخُرَّم(على بناء العَرَبِيَّة). ورُبَّمَا غَيَّروا الحَرْف الذي ليس من حروفهم، ولم يُغيِّروه عن بنائه في الفَارِسيّة، نحو فِرِنْد, وبَقَّم، وآجُرُّ، ، وجُرْبُز( ). وقول سيبويه " اعلمْ مِمَّا يُغَيّرُون من الحُرُوف الأَعْجَمِيَّة مَا لَيْسَ من حُرُوفِهم البَتَّة " فهو لا يُفْهَم على إطْلاقِه. فما لم يكن من حروفهم البَتَّة غَيَّرُوه دون خِلاف، ولكنَّهم قد يُحَوِّلون بَعضَ الأَصْوات في الكَلِمِ الأَعْجَمِيّ رَغْمَ وجود نَظَائِرها في العَرَبِيَّة حِرْصَاً على تحقيق الانسجام الصَّوْتي، على نحو ما تمَّ في " مُهَنْدِس" حيث أُبْدِلَت السِّيْن من الزَّاي رَغْبَةً في إحداث التَّناسُق مع الصَّوْت المُجَاوِر. من خلال تعريف سيبويه رأيناه حَدَّدَ مَعالِمَ التَّعْريِب بعد إِقْرارِه الواضح بوجود التَّعْريِب(المُعَرَّب) في اللغة العَرَبِيَّة. فقوله "مِمَّا يُغَيِّرون" يَقْصِدُ بذلك العَرَبَ أنفُسَهُم أَصْحَاب العَرَبِيَّة، زيادة على أنَّ كلمة " يُغَيِّرون" تعني أنَّ الكَلِمَة الأعجَميَّة لا تُصْبِح مُعَرَّبَة(عَرَبِيَّة) إلاَّ بإجراء تَغْيير في حُروفها, إمَّا صوتياً وإمَّا بُنْيَويّاً (صَرْفيَّاً) وعبارة " مَا لَيْسَ من حُرُوفِهم البَتَّة " هو تَأْكيدٌ آخر على حُدوث التَّغْيِير، ولكنها عبارة تَنُصُّ على أنَّ الَّلفْظ المُعَرَّب قد يَحْدُث فيه تَغْيير صَوْتِيّ، إذا تمَّ نُطْق الحُرُوف الأعجَميَّة بما يَتَناسبُ مع المَخَارِج العَرَبِيَّة للحروف العَرَبِيَّة. وأمَّا البِنَاء العَرَبيّ "الصَّرْفي"، فليس شَرْطَاً للتَّعْريِب، ويَرَى سيبويه أنَّ التَّغْيِير قد يَحْدَث أو لا يَحْدَث ، قال: " فَرُبَّما أَلْحَقُوه" أيْ الَّلفْظ المُعَرَّب ببناء كلامهم، "ورُبَّمَا لم يُلْحِقُوه". ويُفْهَم من قَوْل سيبويه أنَّ للعرب طَريقَتين في إدْخَال الكَلِمَة إلى اللغة العَرَبِيَّة: الأُولَى: التَّصَرُّف والإِلحاق بأَبْنِيَة العَرَبِيَّة المَعْرُوفَة، والثَّانِية: عدم التَّصَرُّف وإبقاءُ الاسم على حاله التي جاء عليها في لغته الأصليَّة. وأمَّا الجوهري (ت393هـ) فيُعَرِّف التَّعْريِب بقوله: " تَعْرِيب الاسم الأَعْجَمِيّ أنْ تَتَفَوَّه به العَرَب على مِنْهاجِها، نقول عَرَّبَتْه العَرَب، وأَعْرَبَتْه أيْضَاً( ). أيّ أنَّه يَعْنِي ذلك النَّوْع الذي تصرفت فيه العَرَبِيَّة وألحقته بألفاظها. ويوضح الزَّمَخْشَريُ (ت 538هـ) رأيه بقوله: "إِنَّ مَعْنَى التَّعْريِب أنْ يُجْعَل عَرَبِيَّاً بالتَّصَرُّف فيه، وتغيّره عن مِنْهَاجِه وإجْرَائِه على وَجْه الإِعْرَاب( ). وهو ما قال به سيبويه. وقال الجَواليقيّ (ت540 هـ): مُعَرِّفَاً التَّعْريِب " ما تَكَلَّمَت العَرَب من الكلام الأَعْجَمِيّ ونَطَقَ به القُرْآن المَجيد، وَوَرَدَ في أخبار الرسول(صلَّى الله عليه وسلم) والصَّحابة والتَّابعين، وذَكَرَتْه العَرَب في أشعارها؛ ليُعْرَف الدَّخيل من الصَّريح"( ) مثل كلمة " كُرْبَج " وبَعْضهم يقول " قُرْبَق " كقول سالم بن قُحْفَان ) ما شَرِبَتْ بعدَ طَوِيِّ القُرْبَقِ مِنْ شَرْبَةٍ غير النَّجاءِ الأدفَقِ ومنه كلمة " البَاج"، وأول من تَكلَّم بهذه الكَلِمَة عثمان بن عفان، تقول: اجعله بَأْجاً واحداً، أَيْ لوناً واحداً.( ) وقال الفَيُّومِيّ (ت 770هـ): "والاسم المُعَرَّب الذي نقلته العَرَب من العَجَم نكرة نحو: إِبْرَيْسَم، ثُمَّ ما أَمْكَن حَمْله على نَظيرِه من الأبْنِيَة العَرَبِيَّة حَمَلوه عليه، ورُبَّمَا لم يَحْملوه على نظيره، بل تَكَلَّمُوا به كما تَلَقُّوه ورُبَّمَا تلعَّبوا به فَاشْتَقُّوا منه، وإن تَلَقُّوه عَلَماً فليس بمُعرَّب"( ). ويُعرِّف السيوطي (ت 911هـ) التَّعْريِب بقوله " المُعَرَّب: هو ما استعملته العَرَب من الأَلْفَاظ المَوْضُوعَة لمَعَانٍ في غَيْر لُغتها "( ). وهذا التّعْريف عام يَشْتَمل النوعين اللذين ذكرهما سيبويه. وعَرَّفه الشهاب الخفاجيّ (ت 1069هـ) قال: " التَّعْريِب نَقْل الَّلفْظَة من العُجْمَة إلى العَرَبِيَّة، والمشهور فيه التَّعْريِب"( ). ويُلحَظ على هذا التّعْريف تركيزه على الاصطلاح (التَّعْريِب) . وجُمْلَة القَوْل: أنَّ التّعريفات السَّابقَة للتَّعريب أَجْمَعَتْ على وَصفِ التَّعْريِب من النَّاحِيَة العَمَليَّة، ولكنهم من حيث اشتراط الوَزْن العَرَبيّ، انقسموا إلى فريقين: مُتَشدِّد ومُتَساهل ويُمَثِّلُ الفريق الأوَّل الجوهري، الذي اشترط الوَزْن العَرَبيّ للمُعَرَّب، وغير ذلك لا يُعَدُّ مُعَرَّباً، وأمَّا الفريق الثَّانِي، فيُمَثله سيبويه والجواليقي والفيومي والخفاجي، الذين يَرَوْن أنَّ كل ما تَكَلَّمَت به العَرَب من الكلام الأَعْجَمِيّ هو مُعَرَّب، ولم يشترطوا التَّغْيِير والاشتقاق والصَّّقل، وأمَّا السيوطي فالمُعَرَّب عنده، ما اسْتَعْمَلَه العَرَب لمعان من غير لُغَة العَرَب. وهذا يعني أنْ اشتَراطَ الوَزْن العَرَبيّ في المُعَرَّب، لم يكن مَحلَّ اتفاقِ الُّلغَوِيين القُدَامى. 1-2 مَفْهُوم المُعَرَّب عند المُحْدَثِين قال بُطْرُس البُستاني(ت 1300هـ) في مَعْنَى المُعَرَّب: "والمُعَرَّب اسم مَفْعُول من عَرَّب، وعند أهل العَرَبِيَّة لفظ وَضَعَهُ غَيْرُ العَرَب، واستعمله العَرَب بِنَاءً على ذلك الوَضْع، يُقَال: لفظ مُعَرَّب، و كلمة مُعَرَّبَة"( ). فالبُستانيُّ لم يأتِ بالتَّعريف الشَّامل والوافي للمُعرَّب، إذ قَصَرَ التّعْريف على لفظٍ وضَعَه غير العَرَب واستعمله العَرَب بِنَاءً على ما وضع له، وفي هذا التعريف إجمال للمُعَرَّب والدَّخيل، ذلك أنَّه لم يَذكُر النَّاحِيَة الصرفيَّة في المُعَرَّب. وقد نَصَّ الشيخ طاهر الجزائري (ت 1920م) على أنَّ المُعَرَّب هو نَقْلُ الكَلِمَة من العجمية إلى العَرَبِيَّة " والمُعَرَّب هي الكَلِمَة التي نُقِلَت من الأعْجَمِيَّة إلى العَرَبِيَّة سواء وقع فيها تَغْيير أم لا، غير أنَّه لا يَتَأتَّى التَّعْريِب غالباً إلاَّ بَعْدَ تَغْييرٍ مَا في الكَلِمَة( ) . وأمَّا عبد الحميد حسن فيقول: المُعَرَّب: هو الكلمات التي نُقِلَت من الأجنَبيَّة إلى العَرَبِيَّة، سواء وقع فيها تَغْيير أو لم يقع( ). وهذا الرَّأيُ يُوافِقُ بَعْض ما جاء عند الشيخ طاهر الجزائري وبَعْض القُدَامى الذين لا يَشْتَرطُون التَّغْيِير والاشتقاق والصَّقْل كسيبويه والجواليقي والخفاجي. ويُعرِّفُه الدكتور حسن ظاظا بقوله المُعَرَّب: " هو لفظٌ استعاره العَرَبُ الخُلَّصُ في عَصْر الاحتجاج باللُّغة من أُمَّة أُخْرَى، واستعملوه في لسانِهم، مثل: السُّندُس والزَّنْجَبِيل والفُسْطَاط.."( ). وهذا التّعْريفُ استخدمه للتفريق بين المُعَرَّب والدَّخيل، فهو يعرِّف الدَّخيل بقوله" هو لفظٌ أخذته اللغة من لُغَة أُخْرَى في مَرْحَلة من حَياتِها مُتَأَخِرَة من عصور العَرَب الخُلَّص الذين يُحتَجُّ بلسانهم". وهذا التَّفريق المَبْنيُّ على الزَّمنِ لا اعتقدُ صوابَه، وإنَّما مدارُ الأَمْر يَعود إلى طبيعة الَّلفْظ وصورته، إنْ غُيِّرت أم بَقِيَتْ على حالها. وقد قَدَّم مَجْمَع اللغة العَرَبِيَّة بالقاهرة تعريفاً للمُعَرْب جاء في مُقَدِّمَة المُعْجَم الوسيط، المُعَرَّب: "هو الَّلفْظ الأجنبي الذي غَيَّره العَرَب بالنَقص أو الزِّيادة أو القَلْب( ) وفي مَوْضِع آخر عُرِّف التَّعْريِب بـ : صَبْغ الكَلِمَة بصبغةٍ عَرَبِيَّة عند نقلها بلفظها الأجنبي إلى اللغة العَرَبِيَّة( ) . وهو الرأي الذي يراه الدكتور مصطفى جواد( ). 2- المُعَرَّب والمُوَلّد والدَّخيل صاحب تَعْرِيب الأَلْفَاظ الأعجَميَّة وإدْخَالها إلى اللغة العَرَبِيَّة بَعْض المُصْطَلحات أو المَفاهِيم يَحْسُن الوقوف عليها وَجَلاء الفَرْق بينها. المُعَرَّب: لقد عُرِف اصطلاح (مُعَرَّب ودَخيل) في كتابات الُّلغَوِيين القُدَامى، كأبي عُبَيْد القاسم بن سلاَّم (ت224 هـ) وابن قُتَيْبَة (ت 276هـ)، وغيرهم، وعلى الرغم من قِدَم هذين المُصْطَلحين، اللذين وُجِدَا مع بداية التَّصْنيف المُعْجَمي، فإننا لا نَلْمَح تَصَوُّراً واضحاً للتَّفريق بينهما، عند جَمْهَرة علماء العَرَبِيَّة "فاستعمل جُمْهُورهم المُعَرَّب والدَّخيل بمعنى واحد"( ) وأطلقوه معاً على بَعْض الكلمات الأعجَميَّة، يقول الأزهري (ت 370 هـ): الهِمْيان "دخيل مُعَرَّب"( ). وهذا شهاب الدين الخفاجي (ت 1069هـ): يُسَمِّي كتابَه "شِفاء الغَليل فيما في كلام العَرَب من الدَّخيل" إذ سَمَّى طائِفَةً من الكلمات المُعَرَّبة دخيلة، وقد اتَّفَق مَعَه بَعْض المُعَاصِرين مِمَّن ألَّفوا في فقه اللغة على اعتبار المُعَرَّب دخيلاً ( ). وإذا كان لفظ "الأَعْجَمِيّ" قد أُطلق ليَحَلَّ مَحَلَّ المُصْطَلحين لعُمُومِيَّتِه، فإن لفظ الدَّخيل أُطْلِق أيْضَاً ليَشْمَلَ ما دَخَل إلى العَرَبِيَّة من غيرها، سواء أكان في عَصْر الاستشهاد أم بعده، ما غُيِّر وما لم يَتَغَيَّر( ). أي الأَلْفَاظ التي لم تَخْضَع لمقاييس العَرَبِيَّة وبِنائِها وجِرْسِها، أو التي خَضَعَت. وهذا التّعْريف لا يُفرِّق بين شِقَيِّ الظاهرة، وأقْصِدُ "ما غُيِّر وما لم يَتَغَيَّر"، ولكننا لا نَعْدَم من القُدَمَاء مَنْ قَصَرَ المُعَرَّب على ما دَخَلَ العَرَبِيَّة وغَيَّره العَرَب، يقول الزَّمَخْشَريُ: "أنْ يُجعَلَ الَّلفْظ عَرَبِيَّاً بالتَّصَرُّف فيه وتَغييره عن مِنْهَاجِه وإجْرَائِه على أَوْجُه الإِعْرَاب"( ). وهذا رَأْي الدكتور إبراهيم أنيس، إذ يقول: "وعَمِدَ العَرَب القُدَمَاء إلى بَعْض الأَلْفَاظ، فَحَوَّروا من بُنِيَتها وجَعَلوها على نَسْجِ الكلمات العَرَبِيَّة وسمَّوْها بالمُعَرَّبة وتَركُوا البَعْض الآخر على صُورتِه وسَمَّوْه بالدخيل( ). أَمَّا التَّعْريِب بمَفْهُومه الخاص: فهو"إحْدَاث تَغْيير في الَّلفْظ الأَعْجَمِيّ المُرادُ نَقْلُه إلى العَرَبِيَّة من ناحية الصَّوْت أو البُنْيَة، أو كليْهما، وهذا ما أكَّدَه الجوهري في صِحاحِه"( ) أي ما "طَوَّعْتَه العَرَب بأَلسِنَتِها فَغَيَّرت فيه بالحَذْفِ أو الزِّيادةِ أوالإِبْدَال في الأَصْوات بما يُوافِقُ قَوانينَها في التَّعبير والاستِعمال، وهو الذي أَطْلَقَ عليه بَعْض المُعاصِرين "الاقتراض الُّلغَويّ"( ). وأمَّا الدَّخيل: فلَيسَ أصِيلاً كالعَرَبِيّ، ولا مُغَيَّراً في الصَّوْت، أو البُنْيَة أو كليهما كالمُعَرَّب، بل يُنقل إلى العَرَبِيَّة بصورته التي كان عليها في لغته، أي "تركه على صورته"( ). فالفرق بين المُعَرَّب والدَّخيل هو التَّغْيِير، يقول عبد الحميد حسن: "والفروق بَيْنَه وبين المُعَرَّب أنَّ المُعَرَّب قد غُيِّرَت صِيغَتُه في الغالب بالزِّيادة أو النَقْص أو بتَغيير الحَرَكَات، وأَدْخَلوه في لغتهم"( ). والَّلفظ الدَّخيل لا يَبْرَأُ من غُربَة في الصَّوْت، وغُرْبَة في الوَزْن، وهذا كثيرٌ في الأَلْفَاظ الحَضَاريَّة والعِلمِيَّة الحديثة التي دخلت العَرَبِيَّة في عَصْر النَهْضَة وما بعده. وهذا جَلِيُّ في مثل كلمة " تِلِفِزْيُون " إذ يَنْطِقُها كثير من النَّاس بالفَاء الأعجَميَّة (v)، لا الفَاء العَرَبِيَّة، وهي مع ذلك تُنْطَق بزِنَتها (فَعَلَلْيون)، وهي زِنَة غَريبَة على العَرَبِيَّة؛ ولذلك يَصْدُق على هذه الَّلفْظَة اسم (دَخِيل). ومن هنا "عَمِد كثيرٌ من الكُتَّاب والأدباء إلى تَعْرِيبها، وشاع هذا التَّعْريِب، فَقَالُوا: (تِلْفَاز) متمَثَلاً بجانبيه: الصَّوْتي والبُنْيَويّ، إذ أبْدَلُوا بالفاء(v) فاء، وجعلوا له زِنَة اسم الآلة، وهذا هو التَّعْريِب( ). وللحديث بقية __________________ "وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ" قرآن كريم |
| | |
| | #2 (المشاركة) |
| مشرف مقهى الإبداع تاريخ التسجيل: May 2007 المشاركات: 237 | وقد تُخالف أوْزان الدَّخيل في كثير من الأحيان أوْزان العَرَبِيَّة، كما جاء في لفظة تلِفِزيُون، وهي لفظة مُفْرَدَة، وقد تكون الكَلِمَة مُرَكَّبَة من لفظين يُصْبِحان بعد التَّعْريِب عند العَرَب لفظاً واحداً، يَخْفَى على سامِعِه أصْله، فلا يَعْرِفَه إلاَّ بعد البَحْث. فمن ذلك (سَهْ مَرّه) الفَارِسيّة، التي تعني ثلاث مرات، وأُريدَ بها استخراج الخَراج ثَلاثَ مرَّات. فلما عُرِّبَت صارت (سَمَرَّج)( )، بزِنة (فَعَلَّل) العَرَبِيَّة، مثل (فَرَزْدق)( ) وقد وَرَدَت السَّمَرَّجُ في أرجوزة للعَجَّاج (ت90هـ)( ): يومَ خراجٍ يُخرِجُ السَمَرَّجا ويلاحظ أنَّ هذه الكَلِمَة عُرِّبَت بحذف صَوْت (الهاء) من (سَه)، وإبداله في (مَرّهْ) جيماً، مثلما أُبْدِل في كلمة (إسْتَبْرهَ) الفَارِسيّة قافاً، فقيل (إسْتَبرَق)، ويبدو أنَّ هذه الكَلِمَة عرَّبها العَرَب في العَصْر الجَاهِليّ، وقد وَرَدَت " إسْتَبْرَق" في القُرْآن الكريم بالقَاف، في المَواضِع التالية: قال تعالى: " يلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق (الكهف: من الآية31) وقال تعالى: " يلبسون من سندس ةاستبرق متقابلين وقال تعالى:" متكئين بطائنها من استبرق وجنى الجنتين دان (الرحمن:54) وقال تعالى:"عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق (الإنسان: من الآية21) ومن المُعاصِرين من جَعَل الزمن فارقاً بين المُعَرَّب والدَّخيل، فالدخيل عنده "ما أَخَذتْه العَرَبِيَّة من لُغَة أُخْرَى في مَرْحَلة مُتَأَخِرَة من حياتها عن عُصُور العَرَب الخُلَّص، الذين يُحْتَجُّ بلسانهم، سواء أكانت الَّلفْظَة أُخِذَت كما هِيَ، أم بتَغيير يَسيرٍ فيها. على حين جعل هؤلاء المُعَرَّب: ما استعاره العَرَب الخُلّص في عَصْر الاحتجاج باللُّغة واستعملوه في لسانهم"( ). أقول: إنَّ ما ذهب إليه الدكتور حسن ظاظا والمُسْتَند على أساس زَمَنيٍّ لا يُمكِن الاعتماد عليه إلاَّ إذا عَرَفَنا تاريخَ دُخول كل لفظة إلى اللغة العَرَبِيَّة، وهذا لا يُمكِن تَحقيقُه، باستثناء بَعْض الأَلْفَاظ، بسبب عدم وجود مُعْجَم تاريخيٍّ لألفاظ العَرَبِيَّة. أَمَّا المُوَلَّد، فقد أَطْلقَ العَرَب هذا الَّلفْظ على الغُلام والجَاريَة فقيل غُلام مُوَلَّد، وجارية مُوَلَّدَة( ) وهي التي وُلِدَت بين العَرَب، ونشأت مع أولادهم وتَأَدبَت بآدابِهم، ورَجُل مُوَلَّد إذا كان عَرَبِيَّاً غير مَحْض( ). فالمُوَلَّدُ على هذا الأساس، ليس من جِنْس العَرَب وليس أَصِيلاً في عُروبَتِه، وعُمِّمَت الدِّلالَة لتَشمل الأشخاص والكلام، فأصبح المُوَلَّد يَعْنِي المُحْدَث من كل شيء، ومنه المُوَلَّدون من الشعراء، سُمُّوا بذلك لحُدوثِهم، ومن الكلام كُلُ لفظٍ كان عَرَبِي الأَصْل ثم تَغَيَّرت دلالته في الاستعمال( )، وسُمِّيَ المُوَلَّد من الكلام مُوَلَّداً إذا استَحدثوه، وكلام مُوَلَّد: "ليس من أصل لغتهم"( ) أي أنَّ الكلام المُحْدَث في العَرَبِيَّة هو الذي لم يَصْدُر عن المُحْتَجِّ بكلامهم؛ فافْتَقر إلى الأصالة العَرَبِيَّة. وعرَّف السيوطي المُوَلَّد بقوله: "المُوَلَّد هو ما أحدثه المُوَلَّدون الذين لا يحتج بألفاظهم" وقد أورد من الأَلْفَاظ المُوَلَّدة قوله : "أيَّامُ العَجوز ليس من كلام العَرَب في الجاهليَّة، وإنَّما وُلِّدَ في الإسلام"( ) وعَرَّفَه الدكتور علي عبد الواحد وافي: "ما اسْتَعْمَلَه المُوَلَّدون على غَيْر استعمال الفُصَحاء من العَرَب( ) وفي المُعْجَم الوسيط الَّلفْظ الذي اسْتَعْمَلَه الناس قديماً بعد عَصْر الرِّوايَة( ). وهذا يعني أنَّ هناك مِعْياراً زَمَنياً للمولَّد، وهو ما استحدث من الأَلْفَاظ بعد عصْر الاحتجاج، وهناك مِعْيار آخر، وهو التَّغْيِير الذي تُحْدثُه العَامَّةُ في الَّلفْظ ، بهَمْزِه أو تَرْكِه أو تَسْكِين أو تَحْريك أو نَحْوِ ذلك( ). ومِمَّن أخذ بالمِعيار الزَّمَنِي عبد القادر المغربي، فقد عرَّف المُوَلَّد: "ما لم يَعْرِفْه أهل اللغة، ولم يُنْطَق به من الكلام، وإنَّما اسْتَعْمَلَه المُوَلَّدون، وجَرَوا عليه في مَنثورِهم ومَنظومِهم. والمُوَلَّدون ليسوا من أهل اللغة الذين يُحتَج بهم في إثبات كَلِمِها وصَحَّة صِياغتِها ولا من يُحتَج ذلك إلاَّ بكلام الجَاهِليّ أو المُخَضْرَم( ). ويُعَرِّف حلمي خليل المُوَلَّد بـ: "لفظ عَرَبِي الأَصْل أَعْطَى مَدْلُولاً جديداً عن طريق الاشْتِقَاق أو المَجَاز أو نَقْل الدِّلالَة، ولم يَعْرِفْهُ العَرَب الفُصَحَاء بهذا المَعْنَى"( ) . ويَعَرِّفُه الدكتور حسن ظاظا: "المُوَلَّد هو لفظٌ عَرَبِي البِنَاء أُعطِي في اللغة الحديثة مَعْنَىً مختلفاً عمَّا كان العَرَب يعرفونه مثل: الجَريدَة والمَجَلَة والسَّيارة( ). ويُعَلِّق الدكتور حلمي خليل بعد أنْ يَعْرِض لتَعريفَات القُدَمَاء بقوله: "ليس كل تَغْيير لُغَوي تَوْليداً، ذلك لأن التَّغَيُّر الُّلغَويّ يَشْمَل البُنْيَة الُّلغَويَّة في جوانبها الصَّوْتيَّة، أو الصرفيَّة، أو التَرْكيبيَّة، أو الدلاليَّة، أو فيها جَميعَاً، بينما يَتَّجِه التَّوْليد أساساً إلى التَغيُّر الدَّلَاليّ وحْدَه. مع الأَخْذ بعين الاعتبار التَّغَيُّرات الاشتقاقيَّة والتَركيبيَّة بما لها من اتْصَال مُباشِر في إعطاء الَّلفْظ، أو التركيب دلالة جديدة لم تَعْرِفَها العَرَبِيَّة القديمة"( ) أي أنَّ تَوْلِيد المَعَانِي للألفاظ في عَصْر الاحتجاج يُعَدُّ من التَّطَوُّر الدَّلَاليّ أضِفْ إلى ذلك الاشْتِقَاق الذي لَبَّى حَاجَة اللغة إلى الاصطلاحات قديماً، وما زال أحد الوسائل الُّلغَويَّة التي يُمْكِن الُّلجوءُ إليها لسَدِّ حاجتنا من الاصطلاحات حديثاً. وخُلاصَة القَوْل، أنَّ التَّعْريِب ضَرُورَة مُلِحَّة في هذا العَصْر الذي لا تُشارك الأمَّة العَرَبِيَّة فيه حضارياً على وجه فعََّال، وكذلك التَّوَسُع في التَّوْليد مَطْلوب وضَرُورة بِشَرْط أنْ يكون هذا التَّوَسُع مُوَحَداً ومُنْضَبِطَاً؛ لأنَّ عَدَم الانضباط يُوَلِّد تَعَدُدَاً في الأَلْفَاظ للمعنى. ويمكن للباحث أنْ يَلْمَحَ عِدَّة طُرِقٍ أسَاسيَّة سَلَكَتْها العَرَبِيَّة لتحقيق النُّمُو في ثَرْوَتِها الُّلغَويَّة عن طريق التَّوْليد وقد ذكرها عبد القادر المغربي في كتابه" الاشتقاق والتعريب" ( ): الاشْتِقَاق: وهو أنْ يُشْتَق كلمة من مادة عَرَبِيَّة أو مُعَرَّبَة يَعْرفُها أَهْل الِّلسان ولكنهم لم يَعرفِوا الكَلِمَة الجديدة، ولم يَشْتقُّوها مثل: الدَّبَابَة من دَبَّ على الأرض، والفُسْقِية التي اشتُقَت من مادة فَسَقَ، والبيَّارة التي تُطْلَق في فلسطين على بُستان البرتقال واشْتِقَاقها من البِئْر. التَّعْريِب: وهو أنْ يَنْقلَ المُوَلَّدون إلى لغتهم العَرَبِيَّة، كلمة من لُغَة أَعْجَميَّة لم يكن يَعْرفُها العَرَب من قَبْل، ومثال ذلك كلمة "ماهيَّة" التي يُراد بها المُرَتَب الذي يتناوله الموظف في آخر الشَّهر، وقد تُستَعمَل بمعنى آخر وهو حقيقة الشيء من "ما هو" ، وهي مُوَلَّدة من الأَصْل الفَارِسيّ "ما" بمعنى شهر في الفَارِسيّة والمَاهيَّة نسبة إليه أي شَهْريَتُه. الاستعمال التشبيهي: وهو ما اسْتَعْمَلَه المُوَلَّدون على طريقة التَّشبيه والكِناية؛ لأنَّه لم يُشْتَق من مادة لُغَويَّة اشتقاقاً، ولم يُنْقَل عن أصل أعْجَمِيّ وإنَّما هو كلمة أو تركيب استعملها أهل اللغة ثم استعملها المُوَلَّدون ونقلوه إلى مَعْنَى آخر مثل: القَطْر فقد اسْتَعْمَلَه العَرَب بمعنى المَطَر وقد اسْتَعْمَلَه المُوَلَّدون بمعنى السُّكُّر المُذَاب. __________________ "وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ" قرآن كريم |
| | |
| | |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
| | الاتصال بنا - الفصحى - الأرشيف - الأعلى | |||||||||||
| | | | ||||||||||
| | | | | | | | | | | | | |